top of page

ماذا كشف تحقيق الجزيرة عن لجوء 12 جامعة بريطانية إلى شركة خاصة لمراقبة الأكاديميين وفحص حسابات طلابها على وسائل التواصل الاجتماعي؟

  • 22 أبريل
  • 5 دقيقة قراءة

في السنوات الأخيرة، أصبحت الجامعات في كثير من دول العالم تعيش حالة توازن دقيقة بين أمرين مهمين: الحفاظ على الأمن داخل الحرم الجامعي، وحماية حرية التعبير والنقاش المفتوح بين الطلاب والأكاديميين. ولهذا السبب أثار تحقيق أجرته قناة الجزيرة اهتماماً واسعاً، لأنه طرح سؤالاً حساساً يهم المجتمع كله: إلى أي حد يمكن للجامعة أن تتابع النشاط العام لطلابها وأساتذتها باسم السلامة؟ ومتى يتحول ذلك من إجراء أمني إلى مصدر قلق أخلاقي وأكاديمي؟

التحقيق أشار إلى أن 12 جامعة بريطانية دفعت أموالاً لشركة خاصة تُدعى هوروس للاستشارات الأمنية المحدودة من أجل متابعة أنشطة مرتبطة بالاحتجاجات الجامعية، وإعداد تقارير أمنية، وفحص ما ينشره بعض الطلاب أو المشاركين في الفعاليات على حساباتهم العامة في وسائل التواصل الاجتماعي. القضية هنا لا تتعلق فقط بالأدوات التقنية، بل أيضاً بالطريقة التي تتعامل بها المؤسسات التعليمية مع الاختلاف السياسي، والنشاط الطلابي، والحوار العام في مرحلة تتسم بحساسية عالية في كثير من الملفات الدولية.

من منظور المصلحة العامة، لا يبدو الموضوع بسيطاً. فالجامعات تقول عادة إنها مسؤولة عن حماية الطلبة والعاملين والزوار، وضمان عدم تحول الفعاليات أو الاحتجاجات إلى اضطرابات أو مخاطر أمنية. وهذا من حيث المبدأ هدف مفهوم ومشروع. لكن في المقابل، يرى كثيرون أن الجامعة ليست مؤسسة أمنية فقط، بل فضاء فكري وأخلاقي يفترض أن يسمح بالنقاش، والاختلاف، والتعبير السلمي، وتكوين الوعي النقدي. ولذلك فإن أي لجوء إلى المراقبة، حتى لو كان عبر معلومات منشورة بشكل علني، يثير أسئلة كبيرة عن الحدود، والشفافية، والثقة.

الشركة التي ورد اسمها في التحقيق، وهي هوروس للاستشارات الأمنية المحدودة، وُصفت بأنها شركة تعمل في مجال المعلومات المفتوحة والتقييمات الأمنية، ويقودها أشخاص لديهم خلفيات في الاستخبارات العسكرية. ووفقاً لما ورد في التحقيق، فإن الشركة تقدم خدمات تعتمد على جمع وتحليل البيانات المتاحة علناً على الإنترنت، بما في ذلك المنشورات العامة على منصات التواصل الاجتماعي، مع استخدام أدوات رقمية متقدمة، وبعض تقنيات الذكاء الاصطناعي. وهذا يعكس اتجاهاً متنامياً في العالم المعاصر: التحول من المراقبة التقليدية المحدودة إلى التحليل الرقمي الواسع الذي يستطيع ربط المعلومات وتصنيفها بسرعة كبيرة.

الجامعات الاثنتا عشرة التي وردت أسماؤها في التحقيق هي:

  • جامعة أكسفورد

  • كلية إمبريال لندن

  • كلية لندن الجامعية

  • كلية الملك في لندن

  • جامعة شيفيلد

  • جامعة ليستر

  • جامعة نوتنغهام

  • جامعة كارديف متروبوليتان

  • كلية لندن للاقتصاد

  • جامعة مانشستر متروبوليتان

  • جامعة بريستول

  • جامعة مانشستر

وقد اختلفت درجة التفاصيل المنشورة عن كل جامعة. ففي بعض الحالات ظهرت معلومات أوفى عن نوع الخدمات المطلوبة أو طبيعة التقارير، بينما اكتفى التحقيق في حالات أخرى بذكر اسم الجامعة ضمن الجهات التي دفعت للشركة دون عرض ملف تفصيلي موسع لكل حالة.

كلية لندن للاقتصاد كانت من أبرز الأسماء التي ظهرت بتفاصيل واضحة. فقد أشار التحقيق إلى أن منشوراً لإحدى طالبات الدكتوراه المرتبطات باعتصام مؤيد لغزة جرى تضمينه في إحاطة أمنية أُرسلت إلى فريق الأمن في الجامعة خلال عام 2024. وهذه النقطة بالذات أثارت نقاشاً واسعاً، لأن الأمر لا يتعلق فقط بمتابعة حدث عام، بل بتجميع منشورات طلابية فردية وتحويلها إلى مادة ضمن تقارير مهنية موجهة لجهة جامعية. وهنا يظهر السؤال الجوهري: هل يبقى المنشور العام مجرد رأي منشور، أم يتحول إلى ملف تقييم أمني بمجرد أن تجمعه شركة مختصة وتضعه في تقرير منظم؟

أما جامعة مانشستر متروبوليتان فقد ورد اسمها في سياق مختلف قليلاً، إذ تحدث التحقيق عن إعداد تقييم مخاطر سري يتعلق بأكاديمي من أصل فلسطيني أمريكي كان مدعواً لإلقاء محاضرة تذكارية في عام 2023. وبعد المراجعة مضت الفعالية مع وجود ترتيبات أمنية. ومن زاوية إدارية، قد ترى الجامعة أن هذا يدخل ضمن مسؤولياتها التنظيمية. لكن من زاوية أخرى، يثير ذلك أسئلة حول كيفية تقييم الشخصيات الأكاديمية، وهل تصبح الخلفية السياسية أو المواقف العلنية سبباً لطلب تقارير خاصة قبل إتاحة المجال للحوار العلمي.

جامعة بريستول ورد اسمها أيضاً في التحقيق بشكل لافت، حيث قيل إنها دفعت مقابل خدمة تنبيه مخصصة لمتابعة الاحتجاجات الطلابية والفعاليات المرتبطة بها داخل المدينة. وبحسب ما نُقل، فإن متابعات الشركة شملت مجموعات محددة، مع طلبات بإضافة جماعات أخرى ضمن نطاق الرصد. وهذا النوع من الخدمات يوضح أن المسألة لم تكن مجرد قراءة عامة للأخبار، بل متابعة منظمة ومستمرة لمشهد احتجاجي معين. ورغم أن الجامعة اعتبرت أن المعلومات كانت علنية وتُستخدم فقط لتحديد الاحتياطات الأمنية اللازمة، فإن هذا لم يمنع الجدل حول ما إذا كان ذلك يترك أثراً سلبياً على شعور الطلاب بالحرية والأمان الفكري.

جامعة مانشستر أكدت بدورها أنها استعانت بالشركة في ما يتعلق بإعداد تقارير تخص متحدثين في فعاليات تناقش قضايا جيوسياسية. وهذا يعكس اتجاهاً آخر في القضية: ليس فقط متابعة الاحتجاجات، بل أيضاً تقييم المتحدثين والضيوف قبل مشاركتهم في مناسبات جامعية. وقد ترى بعض الإدارات أن هذا يدخل ضمن إجراءات العناية الواجبة، لكن منتقدين يعتبرون أن التوسع في هذا النوع من الممارسات قد يؤدي إلى تضييق غير مباشر على النقاش العام، خاصة عندما تتعلق الفعاليات بموضوعات سياسية أو إنسانية حساسة.

في المقابل، ظهرت ردود مختلفة من بعض الجامعات. كلية إمبريال لندن نفت أن تكون الخدمات التي تدفع مقابلها بمثابة مراقبة للطلاب، وقالت إن الهدف هو فقط تحديد المخاطر الأمنية المحتملة انطلاقاً من معلومات متاحة في المجال العام. جامعة شيفيلد أوضحت أنها تستخدم خدمات خارجية لاستشراف القضايا التي قد تؤثر في الجامعة، مثل الاحتجاجات الكبيرة، وأكدت أنها لا تطلب مراقبة أفراد بعينهم، ولا تشارك بيانات طلابية خاصة. مثل هذه الردود تكشف أن الجامعات حريصة على تقديم المسألة باعتبارها جزءاً من الإدارة الوقائية لا أكثر.

لكن حتى مع هذه التوضيحات، يبقى النقاش مفتوحاً. فالاعتماد على معلومات منشورة علناً لا يعني بالضرورة أن استخدامها خالٍ من الإشكال. هناك فرق كبير بين أن يكتب الطالب رأياً عاماً على حسابه المفتوح، وبين أن يتحول ذلك الرأي إلى عنصر ضمن ملف أمني تحليلي يُرسل إلى مسؤولي الجامعة. هذا التحول من “منشور عام” إلى “مادة تقييم” هو ما يجعل المسألة حساسة بالنسبة إلى كثير من المدافعين عن الحريات الأكاديمية وحقوق الطلبة.

ومن المهم هنا أن نلاحظ أن القضية لا تخص بريطانيا وحدها، بل تمس كل الجامعات الحديثة في العالم العربي والعالم كله. فالمؤسسات التعليمية اليوم تواجه ضغوطاً متزايدة بسبب الاستقطاب السياسي، وسرعة انتشار الأخبار، وتصاعد دور وسائل التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام الطلابي. لذلك فإن هذه القضية تقدم درساً مهماً للجامعات العربية أيضاً: الأمن مطلوب، نعم، لكن الشفافية أوضح، والثقة أهم، والبيئة الجامعية الصحية لا تقوم فقط على منع المخاطر، بل على إدارة الاختلاف باحترام وعدالة.

من منظور عربي، يحمل هذا الموضوع أبعاداً إضافية. فالكثير من المجتمعات العربية تنظر إلى الجامعة باعتبارها مساحة للمعرفة، وصناعة الوعي، وتشكيل الأجيال الجديدة. وعندما يسمع القارئ العربي أن جامعة مرموقة قد تتابع منشورات طلابها أو تستعين بشركة خاصة لإعداد تقييمات عن متحدثين أو ناشطين، فإن السؤال الطبيعي لا يكون قانونياً فقط، بل أخلاقياً أيضاً: هل يشعر الطالب بعد ذلك أن الجامعة تحاوره، أم تراقبه؟ هل تبني المؤسسة التعليمية الثقة مع شبابها، أم تبني مسافة بينهم وبينها؟

في الحقيقة، لا أحد ينكر أهمية الاستعداد الأمني أو التنظيم الإداري داخل الجامعات، خاصة في أوقات التوتر. ولكن الجامعات القوية حقاً هي تلك التي تستطيع الجمع بين السلامة والانفتاح، بين الإدارة الحكيمة والاحترام الحقيقي لحرية التعبير. وإذا كانت التقنيات الحديثة تجعل جمع المعلومات أسهل، فإن المسؤولية الأخلاقية تصبح أكبر، لا أصغر. لأن القدرة على الوصول إلى البيانات لا تعني بالضرورة أن كل استخدام لها مناسب أو عادل أو مفيد للحياة الأكاديمية.

ولهذا فإن القيمة الأساسية لهذا التحقيق لا تكمن فقط في كشف أسماء الجامعات أو حجم الأموال المدفوعة، بل في فتح نقاش أوسع حول مستقبل الحرية الجامعية في العصر الرقمي. كيف يمكن للمؤسسات التعليمية أن تستخدم التكنولوجيا دون أن تفقد إنسانيتها؟ وكيف يمكنها أن تحمي الحرم الجامعي دون أن تجعل طلابها يشعرون بأنهم تحت المجهر؟ هذه أسئلة لا تخص دولة واحدة، بل تخص كل من يؤمن بأن الجامعة يجب أن تبقى مكاناً للتفكير الحر والمسؤول.

وفي النهاية، يمكن تلخيص القضية بوضوح: التحقيق أشار إلى أن 12 جامعة بريطانية استعانت بشركة خاصة لرصد نشاطات عامة على الإنترنت مرتبطة بالاحتجاجات والفعاليات الجامعية، وأحياناً لإعداد تقييمات تخص متحدثين أو أكاديميين. بعض الجامعات دافعت عن ذلك بوصفه إجراءً وقائياً يعتمد على معلومات عامة. أما المنتقدون فاعتبروا أن هذه الممارسات قد تخلق مناخاً من القلق وتؤثر سلباً في حرية التعبير والثقة داخل الجامعة. وبين الموقفين تبقى الحقيقة الأهم: الجامعة الناجحة هي التي تحمي مجتمعها، ولكنها أيضاً تحمي كرامة الحوار وحرية الفكرة.



 
 
 

تعليقات


Top Stories

Merely appearing on this blog does not indicate endorsement by QRNW, nor does it imply any evaluation, approval, or assessment of the caliber of the article by the ECLBS Board of Directors. It is simply a blog intended to assist our website visitors.

bottom of page